منتخب تونس: واقعية تكتيكية ورهان الاستمرارية في بطولة لا ترحم

 قراءة في المنتخبات المشاركة في كأس أمم الافريقية 2025 (ج2) ـ

منتخب تونس: واقعية تكتيكية ورهان الاستمرارية في بطولة لا ترحم




يدخل المنتخب التونسي منافسات كأس أمم إفريقيا 2025 بالمغرب وهو محاط بتوقعات متباينة، تعكس طبيعة المرحلة التي يمر بها “نسور قرطاج”. فمن جهة، يُعد المنتخب التونسي واحدًا من أكثر المنتخبات الإفريقية انتظامًا في الحضور القاري خلال العقود الأخيرة، ومن جهة أخرى، يواجه انتقادات متزايدة بسبب محدودية نتائجه في الأدوار المتقدمة، وعجزه عن ترجمة الاستقرار الفني إلى ألقاب قارية.

فنيًا، يتميز المنتخب التونسي بأسلوب واقعي ومنضبط تكتيكيًا، يعتمد على التنظيم الدفاعي، تقارب الخطوط، واللعب على أخطاء الخصم أكثر من فرض الإيقاع. هذا النهج منح تونس قدرة كبيرة على مجاراة المنتخبات الكبرى وتفادي الهزائم الثقيلة، لكنه في المقابل جعلها تعاني هجوميًا، خاصة أمام المنتخبات التي تلعب بتكتل دفاعي مماثل، حيث يبرز ضعف الحلول الفردية وقلة النجاعة أمام المرمى.

أما على مستوى المنظومة الدفاعية، تُعد تونس من أكثر المنتخبات الإفريقية انضباطًا، بفضل لاعبين يتمتعون بالخبرة والانضباط التكتيكي، خصوصًا في مركز قلب الدفاع والارتكاز. وغالبًا ما ينجح “نسور قرطاج” في إغلاق المساحات، والحد من خطورة الأجنحة، واللعب بكتلة متوسطة تقلص خيارات الخصم الهجومية. غير أن هذا التفوق الدفاعي يصطدم أحيانًا بضعف التحولات الهجومية، ما يجعل الفريق يقضي فترات طويلة دون تهديد فعلي.

و هجوميًا، يظل التحدي الأكبر أمام المنتخب التونسي هو صناعة الفرص وتحويلها إلى أهداف. فالفريق يعتمد في الغالب على الكرات الثابتة، العرضيات، أو الهجمات المرتدة السريعة، مع غياب نسبي لصانع ألعاب قادر على التحكم في إيقاع المباراة. هذا النقص الهجومي يجعل تونس عرضة للتعادل السلبي أو الخسارة بفارق ضئيل، وهو سيناريو تكرر في عدة نسخ قارية سابقة.

أما من الناحية الذهنية ، يتمتع المنتخب التونسي بشخصية تنافسية قوية، حيث اعتاد لاعبوه التعامل مع ضغط البطولات الكبرى، سواء في كأس إفريقيا أو كأس العالم. هذه الخبرة الذهنية تمنحه قدرة على الصمود في المباريات المعقدة، لكن الإشكال يكمن في غياب الجرأة الهجومية في اللحظات الحاسمة، وهو ما يحرم الفريق من حسم مباريات كان بالإمكان الفوز بها.

من حيث التجربة القارية، تمتلك تونس سجلًا حافلًا بالمشاركات المنتظمة، وغالبًا ما تتأهل إلى الأدوار الإقصائية، لكن سقف الطموح ظل محدودًا منذ التتويج الوحيد سنة 2004. ويطرح هذا المعطى سؤالًا مشروعًا حول قدرة هذا الجيل على كسر “سقف ربع النهائي” والذهاب أبعد في بطولة تشهد تطورًا كبيرًا في مستوى المنافسين.

اللعب في المغرب يمنح المنتخب التونسي أفضلية نسبية من حيث المناخ والتقارب الجغرافي، إضافة إلى إمكانية حضور جماهيري داعم، وهو عامل قد يساهم في رفع المعنويات. غير أن هذا القرب قد يتحول أيضًا إلى ضغط إضافي، خاصة في حال التعثر المبكر، نظرًا لارتفاع سقف التوقعات لدى الجماهير التونسية.

تكتيكيًا، سيكون نجاح تونس في البطولة مرتبطًا بقدرتها على تحقيق توازن أفضل بين الدفاع والهجوم، وتطوير حلول هجومية أكثر تنوعًا، سواء عبر الاختراق من العمق أو تحسين النجاعة أمام المرمى. كما أن إدارة الإيقاع في المباريات الكبيرة ستظل عنصرًا حاسمًا، خاصة في الأدوار الإقصائية حيث التفاصيل الصغيرة تصنع الفارق.

في المحصلة، يدخل المنتخب التونسي كأس أمم إفريقيا 2025 كمنتخب صعب المراس، لكنه ليس من المرشحين الأوائل للقب. قوته تكمن في انضباطه وخبرته، وضعفه يكمن في محدودية الجرأة الهجومية. وإذا ما نجح في تجاوز عقدته التهديفية ورفع نسق اللعب الهجومي دون الإخلال بالتوازن الدفاعي، فقد يكون أحد مفاجآت البطولة، وإلا سيظل وفيًا لصورته التقليدية: منتخب منظم، صعب، لكنه يودع المنافسة عند أول اختبار حقيقي للقب.

تعليقات